ابراهيم بن عمر البقاعي

524

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

لهم ، ولو بأن يقيض سبحانه لأعدائهم من يقتض منهم ولو بعد حين ، وأقل ذلك أن لا يتمكن أعداؤهم من كل ما يريدون منهم وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ * أي في الدار الآخرة من الملائكة والنبيين وسائر المقربين ، جمع شهيد كشريف وأشراف ، إشارة إلى أن شهادتهم بليغة في بابها ، لما لهم من الحضور التام ، وإلى ذلك يشير تذكير الفعل والتعبير بجمع القلة ، ولكن الجياد قليل مع أنهم بالنسبة إلى أهل الموقف كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ، وإنما عبر بذلك إشارة إلى تجلي الحكم العدل بصفات الجبروت للقسط ، فيرفع أولياءه بكل اعتبار ، ويهين أعداءهم كل إهانة . ولما وصف اليوم الآخر بما لا يفهمه كثير من الناس ، أتبعه ما أوضحه على وجه بين نصره لهم غاية البيان ، فقال مبدلا مما قبله : يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ الذين كانوا عريقين في وضع الأشياء في غير مواضعها مَعْذِرَتُهُمْ أي اعتذارهم وزمانه ومكانه - بما أشار إليه كون المصدر ميميا ولو جل - بما أشار إليه قراءة التذكير للفعل ، فعلم بذلك أنهم لا يجدون دفاعا بغير الاعتذار ، وأنه غير نافعهم لأنهم لا يعتذرون إلا بالكذب وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] أو بالقدر رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا [ المؤمنون : 106 ] وَلَهُمُ أي خاصة اللَّعْنَةُ أي البعد عن كل خير ، مع الإهانة بكل ضير وَلَهُمُ أي خاصة سُوءُ الدَّارِ * وهي النار الحاوية لكل سوء - هذا مع ما يتقدمها من المواقف الصعبة ، وإذا كان هذا لهم فما ظنك بما هو عليهم ، وقد علم من هذا أن لأعدائهم - وهم الرسل وأتباعهم - الكرامة والرحمة ولهم قبول الاعتذار وحسن الدار ، فظهرت بذلك أعلام النصرة ، وصح ما أخبر به من تمام القدرة . ولما كان التقدير : فلقد نصرنا موسى رسولنا مع إبراق فرعون وإرعاده ، عطف عليه قوله دالا على الكرامة والرحمة ، مؤكدا لإزالة ما استقر في النفوس من أن ملوك الدنيا لا يغلبهم الضعفاء : وَلَقَدْ آتَيْنا أي بما لنا من العزة مُوسَى الْهُدى أي في الدين اللازم منه أن يكون له العاقبة وإن تناهت ضخامة من يعانده ، لأنه ضال عن الهدى ، والضال هالك وإن طال المدى ، وذلك بما آتيناه من النبوة والكتاب . ولما كانت النبوة خاصة والكتاب عاما قال : وَأَوْرَثْنا أي بعظمتنا بَنِي إِسْرائِيلَ بعد ما كانوا فيه من الذل الْكِتابَ * أي الذي أنزلنا عليه وآتيناه الهدى به - وهو التوراة - إيتاء هو كالإرث لا ينازعهم فيه أحد ، ولا أهل له في ذلك الزمان غيرهم ، حال كونه هُدىً أي بيانا عاما لكل من تبعه وَذِكْرى أي عظة عظيمة لِأُولِي الْأَلْبابِ * أي القلوب الصافية والعقول الوافية الشافية ، فذكر إيتاء موسى الثمرة وذكر إيراثهم السبب إشارة إلى أن منهم من جنى ثمرته فاهتدى ، ومنهم من ضل ، وذلك تحذير للاتباع ، وتشريف للأنبياء بما نالوه من مراتب الارتفاع .